الرئيسية » ثقافة المربي / المربي بين العطاء والتلقي ( 2 )
كوكب غوغل - مترجماً

المربي بين العطاء والتلقي ( 2 )

0
28 يونيو
2009
ثقافة المربي | زيارات : 2٬385

المربي بين العطاء والتلقي ( 2 ) 

مما فقهه بعض المربين وبعض الدعاة من كتب السنة النبوية العناية بنصوص الزهد والورع والبعد عن المنصب والجاه، من ذلك قوله تعالى:
{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}الأحزاب72
– وقوله – عليه الصلاة والسلام – في حديث أبي ذر – رضي الله عنه – حين قال: يا رسول الله ! ألا تستعملني؟ قال : فضرب بيده على منكبي . ثم قال: (يا أبا ذر ! إنك ضعيف. وإنها أمانة. وإنها يوم القيامة، خزي وندامة. إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها) رواه مسلم،

دون النظر إلى النصوص الأخرى حيث تشكل زاوية أخرى يجب الوقوف عليها وهي النصوص الحاثة على المبادرة والاغتنام والتنافس في الخير، منها:

– قوله تعالى:{وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}.

– وقوله سبحانه:{سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ}.

– ومن الأحاديث قوله – عليه الصلاة والسلام -:(بادروا بالأعمال فتنا ) وقوله: ( اغتنم خمساً قبل خمس ).
فنشأ لدى بعضهم قلة فهم بالنصوص أدى إلى اعتزالهم وبعدهم عن كل دور إيجابي إلى الأدوار الهامشية مرشدين العشرات والمئات من النفعيين الانتهازيين المساومين لكل حركة وسكنة في ذات اللـه، فقط لتبقى أدوراهم حيز التلقي في جميع ما يؤدون ويعملون!
وأظن أن الجيل الواعي الأمين الهارب من الأمارة ولى يوم لم يكن الهروب والترك إلى للعشرات والمئات من مستحقيها وكلهم كذلك.
أما والحال لايخفى الآن فلا مجال للهروب منها، بل تعلمٌ لطرق المحافظة عليها بعد أن انتزعت من الكثيرين من مستحقيها وأمام الملأ من أصحابها دون إسلام أو إيمان إلى الُعَّزل من كل سلاح إيماني أو شرعي أو تربوي، كي يقفوا في الميدان معهم المئات، فيتعقل من أسموا أنفسهم قادة بقيد وظيفة أو زواج، ليتفرق العشرات أسارى لتيار شهوة تزج بهم في الشوارع والسجون، أو شبهة تنحرهم صلباً على مسارح الإعلام، وما كان ما كان إلا بذلك الورع البارد الذي قتل الكثير من المربين والدعاة الصادقين.

فمن أسباب التلقي وعدم العطاء:
1. ضعف الاختلاط بالناضجين من المربين والدعاة والعلماء:
فيعيش المربي عالة على غيره، لا يفتي ولايلقي ولا يبحث ولا يشير ولا يدرب أو يُسَوِّق تجربة أو خبرة ولو كبديل!
وتسأله لماذا؟
فيحوقل ويستعيذ ويستغفر إن لم تخنقه عبرة يشكو بها فساد الزمان أن قيل له، أو بعبارته: أن اضطر إليه، ليفصح: من أنا؟ وماذا أقدم !؟
وذلك الشعور ولاشك شعور صادق مرهف، ولكن خلطته للناضجين من كبار المربين والدعاة يكسبه جرأة تدفعه للأمام، فعالم يطلبه إلقاء خطبة أو محاضرة، وداعية يطلب منه بحثاً حول الدعوة ومستقبل الدعاة، ومربٍ يحفزه إلى المبادرة بعمل تربوي دعوي كتحفيظ القرآن أو إقامة لمناشط دعوية، وآخر ينيبه دورة يطور بها أداءه وأداء الآخرين لينفض غبار أوهام تكدست في رفوف ذاكرته، وربما سبق المسترشد المرشد بعد ما استرشد!
2. الاتكالية:
لن أحصيهم من إخواننا وأستاذتنا من المربين ممن هم حريصين دائماً وأبداً على تطوير أنفسهم وذواتهم، ولا أتجاوز إذا أسميتهم ذوي الأسئلة المفتوحة: ماذا أقرأ ؟ كيف أقرأ ؟ متى أقرأ ؟
بالأمس القريب كنت في حديث مع أحد الإخوة، فقلت: لا حجة للمربين والباحثين عن تطوير ذواتهم حتى وإن عاشوا في بيئات مركزية أو سلطوية أو متشككة!
مستحيل أن يمنعك مربٍ من لقاء كبار المربين والاستفادة منهم، ولنفترض أن ذلك وقع !
هل سيمنعك من دخول [مواقع الإنترنت] والاستفادة من تجارب الآخرين، أو يمنعك من [القراءة] أو يمنعك من [المحاضرات والدروس التربوية] ..
يكفينا اتكالية ! وكأن بعضنا يريد أن يلقن التربية تلقيناً، فينتظر الدورات وينتظر الدروس واللقاءات لكي يصبح [المربي العظيم في زمن العولمة !]
3. ضعف الثقة بالنفس:
أحسب أن الأمور الواجب والمهم تعلمها على بعض المربي القدرة على تطوير الذات، فربما يشعر بتوتر وارتباك في طريقة إلقاءه فيعتذر عن أي مشروع فيه مواجهة للجمهور، أو لا يستطيع أن يتحاور ويقنع أحد أبناءه من المتربين، أو لا يستطيع أن يحل مشكلته، فتتأزم لدى بعض المربين تلكم المشكلات أو إحداها لتتزعزع ثقته بنفسه، وحينها قد لا يكمل أو يواصل المشوار، وكان الأولى أن يطور نفسه وذاته إما بقراءة في كتاب أو حضور دورة تدريبية أو التدرج في العلاج، وإعطاء المشكلة بعد زمني لها.
4. العيش في كنف البيئات المثبطة:
لا زلت أذكر ذلك اليوم الذي طلبني فيه أحد الإخوة في أحد الأندية الصيفية بإلقاء دورة تدريبية، فلم أستطع إبداء الموافقة في أول أسبوع، فقال: لك الخيار إلى آخر أسبوع في النادي، فقلت: سأنظر في الأمر، وفي قرارة نفسي الاعتذار، فتحدثت مع الإخوة في ذلك، وتوقعت أن يكون مؤيداً لي حين ذكرت له سبب اعتذاري بأني لازلت في بداية الطريق، فقلت: كان الأولى بك الموافقة، فأقل القليل أن تكون ممن يمارس التجربة ويعود نفسه على هذه الأجواء التدريبية، وستكون تجربة إيجابية لك، وفعلاً تم إلقاء الدورة واستفدت كثيراً من إلقاءها، وكانت دافعة لي في إلقاء بعض الدورات التدريبية –.
وخلاصة القول: أننا نمتلك الكثير والكثير، ونعتذر بسبب الخوف من نقد البيئات المثبطة المحيطة بنا، أو بسبب جلد الذات الذي نمارسه مع أنفسنا، فما أحوجنا إلى الإيجابية وإلى الإيجابيين.
5. الانشغال بالعثرات:
نظراً لمخالطتنا بالآخرين من المربين نجد الحرص لدينا متوثب لآراء الغير بالسلب أو الإيجاب، فإن كانت بالإيجاب حمدنا اللـه على ذلك، وإن كانت بالسلب ربما انشغلنا وأشغلنا الآخرين معنا، ماذا قالوا عنا؟ وماذا قلنا عنهم؟
وقالوا وقلنا ، وقلنا وقالوا !!
ولصاحب العوائق كلمة رائدة في ذلك فيقول:إننا أصحاب دعوة أيها الإخوة، ولايجوز أن ننزل عن مستوى دعوتنا الرفيع إلى حضيض التراشق برديء الكلام، ولايعذرنا اللـه إذا تركنا هذا المستوى العالي الذي أكرمنا الله به بحجة أن غيرنا جرنا إليه، إذ المؤمن لايترك درجة من درجات إيمانه باستغواء من شيطان أو بجهالة من جاهل، بل من الواجب أن نقول: الله اغفر لنا وله، واهدنا وإياه، ولاتجعل غضبنا لأنفسنا، ولا في عملنا شيئاً من أهوائنا.

إكتب تعليقك