الرئيسية » رؤى / خروق في التربية الدعوية ( 4 )
كوكب غوغل - مترجماً

خروق في التربية الدعوية ( 4 )

0
28 ديسمبر
2008
رؤى | زيارات : 2٬194

خروق في التربية الدعوية ( 4 )

 

{‏وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ‏}‏ يقول السعدي –رحمه الله-: إلى آخر القصة أي‏:‏ قص على الناس وأخبرهم بالقضية التي جرت على ابني آدم بالحق، تلاوة يعتبر بها المعتبرون، صدقا لا كذبا، وجدا لا لعبا، والظاهر أن ابني آدم هما ابناه لصلبه، كما يدل عليه ظاهر الآية والسياق، وهو قول جمهور المفسرين‏.‏
أي‏:‏ اتل عليهم نبأهما في حال تقريبهما للقربان، الذي أداهما إلى الحال المذكورة‏.‏
‏{‏إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا‏}‏ أي‏:‏ أخرج كل منهما شيئًا من ماله لقصد التقرب إلى الله، ‏{‏فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ‏}‏ بأن علم ذلك بخبر من السماء، أو بالعادة السابقة في الأمم، أن علامة تقبل الله لقربان، أن تنزل نار من السماء فتحرقه‏.‏
‏{‏قَالَ‏}‏ الابن، الذي لم يتقبل منه للآخر حسدا وبغيا ‏{‏لَأَقْتُلَنَّكَ‏}‏ فقال له الآخر – مترفقا له في ذلك – ‏{‏إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ‏}‏ فأي ذنب لي وجناية توجب لك أن تقتلني‏؟‏ إلا أني اتقيت الله تعالى، الذي تقواه واجبة عليّ وعليك، وعلى كل أحد، وأصح الأقوال في تفسير المتقين هنا، أي‏:‏ المتقين لله في ذلك العمل، بأن يكون عملهم خالصًا لوجه الله، متبعين فيه لسنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -‏.‏ ثم قال له مخبرًا أنه لا يريد أن يتعرض لقتله، لا ابتداء ولا مدافعة فقال‏:‏ ‏{‏لَئِن بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ‏}‏ وليس ذلك جبنا مني ولا عجزا‏.‏ وإنما ذلك لأني ‏{‏أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ‏}‏ والخائف لله لا يقدم على الذنوب، خصوصًا الذنوب الكبار‏.‏ وفي هذا تخويف لمن يريد القتل، وأنه ينبغي لك أن تتقي الله وتخافه‏.‏
‏{‏إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ‏}‏ أي‏:‏ ترجع ‏{‏بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ‏}‏ أي‏:‏ إنه إذا دار الأمر بين أن أكون قاتلا أو تقتلني فإني أوثر أن تقتلني، فتبوء بالوزرين ‏{‏فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ‏}‏ دل هذا على أن القتل من كبائر الذنوب، وأنه موجب لدخول النار‏.‏
فلم يرتدع ذلك الجاني ولم ينزجر، ولم يزل يعزم نفسه ويجزمها، حتى طوعت له قتل أخيه الذي يقتضي الشرع والطبع احترامه‏.‏
‏{‏فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ‏}‏ دنياهم وآخرتهم، وأصبح قد سن هذه السنة لكل قاتل‏.‏
‏”‏ومن سن سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة‏”‏‏.‏ ولهذا ورد في الحديث الصحيح أنه ‏”‏ما من نفس تقتل إلا كان على ابن آدم الأول شطر من دمها، لأنه أول من سن القتل‏”‏‏.‏

إن العجب ليس في قصة قتل قابيل لأخيه مع خطورة الذنب العظيم، وإنما فيمن يقرأون ويتأملون هذه القصة ممن بعدهم من المربين والدعاة، وهم كما هم، بل إن بعضهم يمضي هذا المنوال، وعلى نهج “الضعف يولد الضعف”.
إن كثيراً من المربين الصادقين لتصدق مقولة ذلك العدو حين قال لسلطان العلماء: لو كان هذا الرجل عندنا لغلسنا رجليه وشربنا مرقتها، فصدقهم وإخلاصهم وعبادتهم وعلمهم والهم الذي يحملونه فخر لا يدانيه أي فخر، وإن هؤلاء لأكبر مصدر من مصادر اعتزاز الأمم، ولو اجتمعوا على أن يكافئونهم لما استطاعوا، فهم صناع الأجيال، ومحاضن الآمال، ورواد التفاؤل، وحقن الإبداع، فالمربي يدفع بالمجاهد، ويعين العابد، ويثبت العالم، ويصنع المرببي، وقد لا يصنع أحدهم جنسه، إلا أنه لا يكاد يصفو لعين رؤية بريقهم بوجود من اختطوا نهج قابيل من بعض أدعياء التربية، فلم يولدوا الضعف في نفوسهم، بل على غيرهم من المربين، وعلى الأمة بأجمعها، فخرجوا الجيل المهزوز المهزوم، نبذوا المواهب والطاقات لتتلقفهم أيدي الشياطين ليفتحوا لهم الإعلام الفاسد، والصحيفة والمجلة الفاسد، والمنبر الفاسد، ويقودهم المربي المتفائل الفاسد، ليقول: دونكم الميدان فأنتم رجاله، اصنعوا الأمجاد في زمن الرجعية والتخلف والفساد، فإذا ما التقى ذلك بمربيه السابق، سأله هذا المربي الدعي: أين أنت الآن، ليجيبه من سماه هذا الدعي مزاجياً، أو عاصياً، أو مغروراً: كنت موهوباً ومعي الهوية، والآن موهوباً بلا هوية، والسبب أنت يا خليفة قابيل!

إنني أعتذر للمتجردين من هؤلاء الإخوة المسيئين من حيث أرادوا الإحسان، لأقول: شكراً لخدمتكم، وليس لخبرتكم، شكراً يوم أردتم أن تكونوا دعاة بلا دعوة، ومربين بلا تربية، شكراً لجيل أخرجتموه فحصدنا نحن الشوك! شكراً لكم حين ناقشتم وجادلتهم الذوات وتركتم المنهج، شكراً يوم أدنتم الناصح بالراشق، ومحسن الظن بالمسيء، والمتعاون بالخائن، وطالب التغيير بالباحث عن التعيير، وذا النظرة البعيدة بضيقها، شكراً لكم حين أعلنتم كل هذا لأجل الدعوة والتربية والشباب، وهل الدعوة والتربية والشباب إلا أنتم، فإذا نجحتم وإلا فالسقوط الذي لا يتبعه أي سقوط، فلتسقطوا ما في أنفسكم قبل السقوط أمام الملأ.
فلتسقطوا ولنسقط جميعاً مافي نفوسنا من الأدران والأغلاط والأخلاط، لنسقط حب الرئاسة، وعلو المنصب والجاه.

إن هذه الرفاهية التي تعيشونها قد تنقلب إن لم تغيروا ما في نفوسكم وتصححوا الأوضاع إلى جحيم لا يطاق، وأول ما يكون ذلك من نفوسكم، فتصبحوا مقيدين بلا قيود، ومأسورين بلا أسر، فقط يوم أن أتكلتم إلى جهدكم، ونسيتم الله طرفة عين!

أيها الأحبة ..

كونوا أقوياء، وانطلقوا أقوياء في دعوتكم وتربيتكم، وإلا فلتتخلوا عن رقاب أبناء المسلمين وعن ذممهم، وقبل أن تقولوا: من لهم ؟
قولوا قبل ذلك ..

من لأنفســـنا ؟؟؟

إكتب تعليقك