الرئيسية » أطروحات تربوية / المربي وفن الحوار
كوكب غوغل - مترجماً

المربي وفن الحوار

1
14 ديسمبر
2012
أطروحات تربوية | زيارات : 3٬927

بين شؤونه وفنونه، ومحاسنه ومزاياه، وفلسفته وقضاياه، نقتات ولا نعيش، ونستبصر ولا نرى، وننادي ولا يسمع لنا، الحاضر في أدبياتنا والغائب في أحاديثنا ومجالسنا: حوار التربية! وقل إن شئت: حوار المربي!

قبل الولوج أقف إلى ما أريد، فأقول:
الحوار باجتهاد شخصي:  هو كل حديث بين اثنين فأكثر، دعى إلى فضيلة، أو حذر من رذيلة، أو قوِّم سلوكاً، وصوَّب منهجاً، وفق كتاب الله وسنة رسوله –عليه الصلاة والسلام-.

لماذا نحاور؟
نحاور لما يلي:

أولاً: الحوار منهج قرآني:
ابتداءاً من أوائل صفحات الكتاب الكريم في سورة البقرة بتحديد معالم المنافقين وطرائق الحوار معهم، فيقول – عز قائلاً عليماً-: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ_ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ  _فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)[1]، ثم حوار الله –سبحانه- مع الملائكة، وطلبهم السجود لآدم، ثم الحوار مع آدم، وألايقرب الشجرة فيأكل منها، وتلى ذلك حوار موسى مع قومه، ثم دعائهم أن يذبحوا البقرة، كل هذه في أول عشرة أوجه من القرآن فقط! ولتعمل ذاكرتك أوتقلب مصحفك بمرور عاجل لمجمل ما بقي من السورة، إلى سورة آل عمران، فالنساء، فالمائدة، فباقي الكتاب العزيز لتراه لا يخلو من حوار قد أحسن الدكتور عبدالرحمن النحلاوي[2] بوصفه وتأصيله في أنواعٍ ثلاثة: الحوار القصصي، فالحوار الخطابي، فالحوار التعليمي، فالقرآن مليءٌ بهما جميعا.

ثانياً: الحوار منهج نبوي:
حين نتأمل القرآن والسنة نجدهما مليئين في الدعوة إلى التوحيد، ونبذ ما يخالفه من الشرك والكفر، وكان من أصول تقرير ذلك: محاورة كل نبيٍّ لقومه، في سورة هود ويوسف والقصص وغيرها من سور القرآن، وفي السنة ما ورد عنه –عليه الصلاة والسلام- في تقرير التوحيد ونبذ الشرك من بداية دعوته –عليه الصلاة والسلام- حين قال: ((إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)) إلى نهاية حياته –عليه الصلاة والسلام- حين قال: ((لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، حين كان من أصول دعوة الأنبياء –عليهم السلام- المحاورة وتقرير الحجة، وكان عليهم الدعوة والحوار بالحسنى، ولو لم يستجب لهم أحد، وقد كان! فعليهم صلوات ربي وسلامه أجمعين.

كيف نحاور؟

نحاور بما يلي:
1. بمعرفة أصول الحوار من مُحَاوِرٍ ومُحَاوَر وحوار، فلا نعرض رأياً لطرف دون سماع الطرف الآخر – أياً كان موافقاً أو معارضاً- فنظن ذاك حواراً، وننفرد به، أو نختلف في أصول وفروع، ونشرق ونغرب ونحن بعد غير مدركين لأصل الحوار، وما نصبو الوصول إليه منه.
بل نعرض الرأي والرأي الآخر، ونوجز خلاصة موضوع الحوار، لننطلق إلى ما نريد، إلى حوار هادف واضح المعالم والأصول.

2. أن يكون الحوار متواصلاً، بإيجاد رابط مباشر بين المتحاوِرَين، فالحديث الدائر بين اثنين في مجالسنا العامة والخاصة يعد حِوراً، والحديث الدائر بين اثنين بطريق غير مباشر عن طريق برامج التواصل والمحادثة يعد حواراً، كالماسنجر، والفيس بوك والوات ساب وغيرها، والحديث في قاعات الدراسة ومجالس العلم يعد حواراً، فكل حوار امتلك خاصية التواصل والاستمرار يعد حواراً.

3. بالتحلي بآداب الحوار وأخلاقيات المحاور، وهنا بعض من تلك الآداب، ولأنني معنيٌ بالتربية الدعوية، وما ينتظم في فلكها مما يهم المربين والدعاة، آثرت أن يكون موضوع الحوار حول التربية والمربين، منهم ولهم.

متى نحاور:
1. اختيار الوقت المناسب:
أن نقتبس وقتاً لتحاور فيه أخي المربي أمر ميسورٌ على الأغلب، ولكننا نقف عاجزين عن اختيار ما هو مناسب للمتربي، فحين نسمع لشكاوى إخواننا المربين حالياً، والمتربين سابقاً نكاد نذهل لشدة ما يطرق آذاننا من مواقف، فهذا يقول: في ليلة آخر العام فوجئت بأحد الإخوة يحاورني ويحادثني بأمر أزعجني، لم أهنئ بنوم تلك الليلة سوى دقائق كانت كفيلة بزيادة توتري في هذا الاختبار!
ومثل هذا الموقف مؤسف يقع ممن لهم باعٌ في التربية، ولكنها الكبوة! هي خير ما نقول.
ويحبذ في اختيار الوقت المناسب أمور:
– ألا يكون في التأخير مفسدة أكبر من الحديث في الوقت الحالي.  – أن يغلب على ذهن المربي قبول المتربي.
– التهيئة السابقة للمتربي وتبسيط الأمر قدر المستطاع.  – معرفة نفسية المتربي وستأتي معنا لاحقاً.

2. نحاور بالشخص المناسب:
جاء في صحيح من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: ((الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف))[3]، ولهذا الحديث شواهد مما نرى في المجتمع والواقع فنقبل بها، ألا أننا كمربين ودعاة لانقبل أن نوصم بشيء من ذلك، فلفظة “فلان لا يقبل منك” تعني مسبة وقدحاً لا يليق أن يوجه لمن هم أقل من القادة، فكيف بتوجيهها للقادة أنفسهم!
إن الحقيقة المُرَّة أن كثيراً من القادة لايتلقى ولايقبل أي نقدٍ أو تغذية راجعة إلا من الأتباع وقلة من الأصدقاء، لتكون له بالمقاس! وبحسب ما يهوى ويرغب!
ولنكن أكثر لطفاً في إقناع بعض القادة والمربين فنقول: هناك فجوة بين القائد والأتباع يصعب إزالتها أو التخفيف منها، وإلا بقي لك من القيادة اسمها لارسمها! فكلف من هم دونك من القادة ما يعفيك ويختصر لك عثرات الطريق.

3. نحاور بالطريقة المناسبة:
علينا كمربين ودعاة اختيار أيسر وأنفع الطرق، فقد يفتح الله قلب المتربي، بحديث ودي أخوي، وقد يفتح الله قلبه بتواصل غير مباشر بحديث عابر عبر برامج التواصل الوات ساب أو الفيس بوك أو غيرهما، فاجتهد في بذل النصح والتوجيه ماسنحت لك الفرصة، فلا تدري أي عمل ينفعك الله به، فقدِّر لكل حالٍ ما يناسب مع وعي وحذر-أعني في التواصل الغير مباشر-.

متى نحاور؟
1. نحاور في اتخاذ القرار، فلكم نأسف على واقع مأزوم، وغربة وألم يعيشه بعض إخواننا المتربين، بتمرد مربٍ، أو انتهازية قائد، فتسلب آراؤهم، وتبتر طموحاتهم، وكثيراً كثيراً بدون علم ولا فقه تربوي.
فما أجمل شعور المتربي حين يرانا معاشر المربين والدعاة نعرض له الرأي الموافق، والرأي المعارض، ثم نذكر له سلبيات الرأي الموافق وإيجابياته، وسلبيات الرأي المعارض وإيجابياته، ونترك له الخيار حين يصل لهذه المرحلة!
سنتان وثلاث وخمس سنين، ونحن نتفرد بآرائنا، ولا نتكلف من طلابنا وإخواننا ممن نحن مسؤولون عنهم يوم القيامة، وهم في رقابنا صناعة قرار واحد قابل للتصحيح، والتصويب!

2. نحاور في طلب المشورة، ولو لم يكفنا إلا قوله وفعله الدائم –عليه الصلاة والسلام- في الاستشارة، واستشارة الآخرين، فعند البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطب الناس، فحمدالله وأثنى عليه، وقال: ((ماتشيرون عليَّ في قوم يسبون أهلي، ما علمت عليهم من سوءٍ قط .. الحديث))[4]، وهو المؤيد بالوحي –عليه الصلاة والسلام-، ولنحاسب أنفسنا بصدق، كم مرة استشرنا، وكم مرة تفردنا بآرائنا، وبصدق أقول: هناك آراء ناضجة، وهناك آراء متفردة، وهناك آراء لاينبغي الاستشارة فيها[5]، وهناك آراء يجب الاستشارة فيها!
بعفوية استشارة أحدهم طلابه حول ضعف الحضور، فقال: المكان ينقصه التبريد! حقيقة مؤلمة، غابت عن هذا المربي الصادق، الذي ذهل بالعمل والاجتهاد فيه عن إيجاد أجواءٍ ملائمة للحضور.

3. نحاور لإيجاد محضن آمن، وهي ما يسميه المتخصصون ببيئة الأمان، وهي التي جعلت هذا الصحابي يأتي إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- ويقول: أأذن لي بالزنا!!
إلى هذه اللحظة أقف مذهولاً تجاه هذا المربي العظيم –عليه الصلاة والسلام-، ليس في استقبال الصحابي والدعاء له فقط، بل في إيجاد هذه البيئة الآمنة حين أثمرت البوح بمكامن خافية لدى الصحابي عرضها أمام العالم، وهذا المربي، وهذا النبي الكريم يلتمس الشفاء.
إلى أي مدى بلغ اجتهادنا وحرصنا في توفير بيئة الأمان، ليس محاكمة إلى الموقف بعينه، وإنما في عرض المتربي أفكاره وآراءه تجاه رحلة اجتهدنا في القيام به، أو درس اجتهدنا في تحضيره، واصفاً إياها، أو واصفاً الدرس بالفشل!
أيها الأحبة والإخوة المربون: لا يليق بنا الغفلة وسهام التغريب والإلحاد والفساد تجتاح شبابنا، ولازالت رداء البساطة يلفنا، فنقنع أنفسنا بجدوى النقد وجدوى الاستشارة ولما نصل بعد لتوفير بيئة آمنة يعرض فيها المتربي بعض ما يخالج نفسه من شكوك وأهواء، فبالله عليكم متى سنصل!!؟

وأنتقل إلى استراحة قصيرة ..

يقول الدكتور : محمد النغيمشي في كتابه المراهقون:
فالمراهق يملك القدرة على التجريد والتصور، لكنه يفقد الخبرة والتجربة، والرصيد العلمي الواقعي، الذي يتكون من احتكاك الفرد بظروف الحياة المختلف، ومن اختلاطه بأصحاب الخبرة والمراس، الذي يساعده على الواقعية ويمكن أن نمثل هذه المشكلة التي يعيشها المراهق بالمعادلة الآتية:

التفكير المجرد – فقد الخبرة = المثالية أو النموذجية

ولأن المراهق يكون مثالياً في التفكير – أحياناً – وتصدر عنه آراء مثالية، ومطالب مثالية، تواجه بالرفض والإهمال من قبل الوالدين، أو المجتمع –ينشأ عن ذلك صراع بينه وبين الأسرة، أو بينه وبين المجتمع، أو ينشأ الاغتراب الذي يؤدي إلى سلبية الشاب وتشاؤمه. ويمكن أن نمثل هذه المشكلة بالمعادلة الآتية:

آراؤها ومطالب مثالية + رفض مستمر آراؤها ومطالب مثالية + رفض مستمر دون بيان = صراع واغتراب

ورغم ما يواجهه من حيرة بين البدائل إلا أنه ينزع إلى اتخاذ القرار بنفسه، واختياره الحل الذي يقتنع به، لكنه قد يُخْفِقُ في كثير من الأحيان، ويفشل ما لم تتم إحاطته بوسط يساعده على اتخاذ القرار المناسب، بطريقة غير مباشرة، أو بطريقة مباشرة غير ملزمة.[6]

ويقول أيضاً ص20: ولا يتقبل رأي الآخرين فيه بسهولة، فهو أنه قادر على معرفة نفسه.
والمراهق يخرج من التفكير السلبي التبعي إلى التفكير الإيجابي الباحث عن المسؤولية، والمتفحص لذاته، ومقامه، وسمعته.

ويقول ص21: إن لدى المراهق مستوى من النضج العقلي، يمكنه من الشعور بالهامشية عندما يكون مهملاً منبوذاً، ومن الشعور بالقيمة عندما يكون ممكَّناً مسؤولاً. وهو يستطيع أن يدرك إدراكاً عالياً مدى ارتباط صورته عند الناس، بمهماته، وأعماله، ومسؤولياته، وممارساته.

آداب الحوار:
– الإخلاص والتجرد في طلب الحق:
جمال روح الحوار في طلب الحق والتلذذ به أيا كان قائله، ومراحل بلوغه تسبقها مفاوز وعقبات، بهضم حق النفس، والتذلل للحق أمام العدو والصديق، والكبير والصغير، والغني والفقير، ما دام الحق ضالة كل منصف، لارابط ولاهوية ولامنصب يدل عليه، بل هو ذلك السمو الروحي والأخلاقي، إن مكنا له في نفوسنا بصدق إخلاصنا، وصفاء نوايانا، ورقي أخلاقنا.

– العلم وحسن الفهم:
ليس للحوار في أوساطنا قيمة تغرس ما لم يطبع في القلوب على العلم، ولا أدل على هذا من سلوك يغرسه المربي في نفوس طلابه، حين يحاور بجهل، أو ينصت باستخفاف، أو يعي بكبر، بسلوكيات وآداب تحفر خفة ونفرة وبعداً تجاهه في قلوب من يعلم ويربي.

– التركيز على أصل الحوار:
أجزم أن جزءاً كبيراً من حواراتنا فقد أصله بالانشغال بجزئيات لا قيمة لها أثناء الحوار، كالمطالبة بحرفية الحوار، أو التحاكم على النوايا، أو الانشغال بإعداد الرد لما يقوله المتربي دون أن يكلف المربي نفسه عناء الإنصات والتوجيه، والسعي في الإصلاح.
فكم هو جميل منك أخي المربي صرف الاهتمام لذلك المتربي، وتقريب وجهات النظر، مع تهميش واضح وصريح لخلفيته الثقافية في سعي حثيث لخلق فرص جديدة للمتربي لتصحيح المسار، لا بتضييقه.

– إدراك هدف الحوار:
مما يضعف الحوار التربوي ضياع الهدف، والخلط في ذلك، فهناك حوارٌ يهدف منه الممازحة، وهناك حوارٌ يهدف منه الوصول إلى نقطة اتفاق كالاجتماعات الدورية، وهناك حوارٌ يهدف نقل معلومة، أو تصحيح فكرة كدرس علمي أو لقاء تربوي، وهناك حوارٌ لمناقشة مشكلة يهدف منه إلى الوصول إلى الحل، فمن الصواب الوقوف مع كل حوارٍ بما يناسبه، مع الإبقاء على الأصل، بكون هدف المربي التصحيح والتوجيه والإصلاح دون النظر إلى هدف المتربي حين يكون هدفه المخالفة، أو إثبات الوجود، أو الاستخفاف، وفرق بين كلا الرسالتين.

ثمار الحوار؟
– توفير البيئة المناسبة لاحتواء الشباب وحمايتهم من فتن الشبهات والشهوات.
– السعي في هداية الشباب، وتوجيههم نحو ما ينفعهم في دينهم ودنياهم.
– اكتساب المهارات، وتقبل الرأي المخالف.

هذا ما تيسر تدوينه باختصار، وأتمنى أن ينزل الحوار بتفصيل أشمل وأوسع في رسالة أو في كتيب – أسأل الله أن ييسر لي الوقت المناسب لذلك-

___________________________

[1]  سورة البقرة:8-10.

[2] التربية بالحوار، د. عبدالرحمن النحلاوي.

[3] صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب الأرواح جنود مجندة (2638).

[4]) صحيح البخاري، كتاب الاعتصام، باب قوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم)، 7370

[5] ) لا ينبغي للمربي استشارة طلابه، على ماذا يربيهم!!؟

[6] ) المراهقون: 18-19

تعليق واحد لـ “ المربي وفن الحوار ”

  1. يقول أم عبدالله:

    نشكركم على طرحكم مثل هذا الموضوع الأكثر من رائع

إكتب تعليقك